كتابات

استئناف تصدير النفط في اليمن: فرصة إنقاذ مشروطة

حين تغادر أول ناقلة نفط يمنية الميناء بعد سنوات من التوقف، لن يكون السؤال الأهم: كم برميلًا حملت؟ بل: كم دولارًا من قيمتها وصل إلى الخزانة العامة، وكيف أُنفق، ومن راجع الحسابات، وما الذي تغير فعليًا في رواتب الموظفين والكهرباء والمياه؟ بهذه الأسئلة يبدأ الاختبار الحقيقي لقرار استئناف تصدير النفط، وإليها يجب أن تنتهي حصيلته.

أعاد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في 20 يوليو 2026، العمل على استئناف تصدير النفط اليمني «بكل الوسائل المتاحة» الأمل بإعادة تشغيل أهم مصادر الإيرادات العامة والنقد الأجنبي، بعد توقف الصادرات منذ أواخر عام 2022. وتعهدت الحكومة بتوجيه العائدات لصرف الرواتب وتحسين الخدمات ودعم الاستقرار الاقتصادي.

وفي الأيام التالية، أعلنت وزارة النفط بدء الإجراءات الفنية والتنفيذية، مع وجود أكثر من 1.7 مليون برميل مخزنة وجاهزة للتصدير، وقدرة إنتاجية مستهدفة تقارب 60 ألف برميل يوميًا، وخطة لزيادتها بنسبة 25 في المئة خلال الشهر الأول. وفي المقابل، تحدث مسؤول حكومي عن بدء التصدير فعليًا. ويكشف اختلاف الصياغات بين «العمل على الاستئناف» و«بدء الإجراءات» و«بدء التصدير» الحاجة إلى بيان رسمي تفصيلي يحدد المرحلة التشغيلية التي وصلت إليها العملية، وحجم أول شحنة، والميناء المستخدم، والجهة المشترية، وآلية التسعير، وصافي الإيرادات المتوقعة.

قرار ضروري في اقتصاد يقترب من الهاوية

لا يمكن التقليل من الأهمية الاقتصادية لاستئناف التصدير. فتوقف النفط حرم الحكومة من مورد رئيس، وقلص قدرتها على تمويل الرواتب والخدمات وتوفير النقد الأجنبي اللازم للاستيراد. حيث أشار صندوق النقد الدولي إلى أنّ الإيرادات الحكومية تراجعت منذ عام 2022 بأكثر من ثماني نقاط مئوية من الناتج المحلي، نتيجة توقف الصادرات النفطية، وتحول جانب من التجارة نحو موانٍ أخرى، واتساع التهريب، واحتفاظ بعض السلطات المحلية بإيرادات يفترض توريدها مركزيًا.

وبحسب البنك الدولي، انكمش الاقتصاد اليمني بنسبة 1.5 في المئة خلال 2025، مع توقع انكماش إضافي في 2026، في حين تراجعت الإيرادات العامة إلى نحو 5.6 في المئة من الناتج المحلي، وانعكس نقص التمويل على الرواتب والدعم والإنفاق الأساسي. كما يقدر البنك أنّ قرابة ثلاثة أرباع السكان يعيشون تحت خط الفقر.

فالنفط مورد ناضب، وقيمته الحقيقية تتحدد بقدرته على تمويل انتقال تدريجي نحو اقتصاد وطاقة أكثر استدامة.

من هذه الزاوية، يمكن لعائدات النفط أن توفر متنفسًا ماليًا، وأن تحسن قدرة البنك المركزي على إدارة سوق الصرف، وتقلل الاعتماد على التمويل التضخمي والمساعدات الخارجية، وتسمح بسداد جزء من التزامات الدولة المتراكمة. لكنها لن تشكل حلاً سحريًا؛ فقد تراجع إنتاج اليمن من نحو 439 ألف برميل يوميًا في ذروته مطلع الألفية إلى مستويات شديدة الانخفاض خلال سنوات النزاع، كما أنّ جزءًا من الإنتاج الحالي يذهب للاستهلاك المحلي وتشغيل المصافي ومحطات الكهرباء وتغطية تكاليف الشركات. ولذلك ستكون الكميات القابلة للتصدير وصافي العائد أقل من القدرة الإنتاجية المعلنة.

النفط لا يساوي أمناً للطاقة

من المهم كذلك عدم الخلط بين استئناف تصدير النفط ومعالجة أزمة الطاقة في اليمن. فالبلد قد ينجح في تصدير الخام، في حين تظل مدنه تعاني انقطاع الكهرباء، وتواصل المؤسسات العامة شراء وقود مرتفع الكلفة، ويبقى معظم السكان معتمدين على حلول فردية باهظة الثمن.

لقد أدت الحرب إلى تفكك منظومة الكهرباء، وتضرر الشبكات والمنشآت، وضعف الصيانة والاستثمار، وارتفاع الاعتماد على الديزل والطاقة المُشتراة. إذ تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنّ معظم الأسر اليمنية تعاني وصولًا متقطعًا إلى الكهرباء، وأنّ ارتفاع أسعار الوقود أثر في المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والأنشطة الاقتصادية. وفي المقابل، أثبتت مشروعات الطاقة الشمسية اللامركزية قدرتها على إعادة تشغيل خدمات أساسية في مناطق يصعب ربطها بالشبكة العامة.

لذلك ينبغي ألا تذهب العائدات الجديدة كلها إلى نفقات تشغيلية آنية أو شراء وقود قصير الأجل. المطلوب تخصيص جزء واضح منها لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء، وتقليل الفاقد، وتحسين كفاءة المحطات، وتوسيع الطاقة الشمسية والأنظمة اللامركزية، وتوفير حلول مستدامة للمياه والصحة والتعليم. فالنفط مورد ناضب، وقيمته الحقيقية تتحدد بقدرته على تمويل انتقال تدريجي نحو اقتصاد وطاقة أكثر استدامة.

لا يكفي القول إن العائدات ستودع في البنك المركزي، بل يجب تحديد الحساب الذي ستودع فيه، والجهة المخولة بالسحب منه، والقواعد التي تحكم تخصيص الأموال، وآليات التدقيق والإفصاح.

معركة الحوكمة لا تقل أهمية عن معركة التصدير

يحدث استئناف الصادرات في بيئة مؤسسية شديدة الانقسام، وفي ظل نزاع مستمر وتعدد مراكز النفوذ وغياب الرقابة البرلمانية وآليات المحاسبة. وهذه الظروف تجعل عائدات النفط معرضة لمخاطر الإدارة خارج الموازنة، وتضارب المصالح، وضعف التوريد، والإنفاق غير المنضبط، وعدم وضوح العَلاقة المالية بين الحكومة المركزية والمحافظات المنتجة.

وفي يوليو 2026، أعلن صندوق النقد الدولي أن السلطات تعمل على إدخال الإيرادات والنفقات التي كانت تدار خارج الموازنة ضمن الموازنة المركزية، وتعزيز الرقابة على الإنفاق، وتجميع أرصدة الجهات الحكومية تمهيدًا لإنشاء حساب خزينة موحد. وهذا الإصلاح يكتسب أهمية مضاعفة بعد استئناف النفط؛ إذ لا يكفي القول إنّ العائدات ستودع في البنك المركزي، بل يجب تحديد الحساب الذي ستودع فيه، والجهة المخولة بالسحب منه، والقواعد التي تحكم تخصيص الأموال، وآليات التدقيق والإفصاح.

وتؤكد مؤشرات الشفافية خطورة الوضع. فقد حصل اليمن في مسح الموازنة المفتوحة لعام 2023 على صفر من مئة في شفافية الموازنة، وصفر في المشاركة العامة، وست درجات فقط في الرقابة، مع عدم نشر وثائق أساسية مثل مشروع الموازنة وتقارير التنفيذ والحساب الختامي وتقرير التدقيق.

كما أنّ اليمن لم يعد عضوًا في مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية؛ إذ عُلقت عضويته عام 2015، ثم شُطب من المبادرة في أكتوبر 2017 بسبب ظروف النزاع، فيما تعود أخر البيانات المنشورة في إطار المبادرة إلى عام 2011.

هذه الحقائق لا تعني أن الفساد قد وقع بالضرورة في عملية الاستئناف الحالية، لكنها تعني أن البيئة المؤسسية لا توفر ضمانات كافية لمنعه أو كشفه. كما أنّ المخاطر الأمنية قد ترفع تكاليف التأمين والنقل، أو تدفع إلى البيع بخصومات كبيرة. ومن دون الإفصاح عن السعر المرجعي والخصومات والتكاليف وحصص الشركات، لن يستطيع المواطن معرفة الفرق بين القيمة الإجمالية للشحنة والمبلغ الصافي الذي وصل إلى الخزانة العامة.

المجتمع المدني شريك في حماية الموارد 

في هذه المرحلة، لا ينبغي اختزال دور المجتمع المدني في إصدار بيانات التأييد أو الرفض. فدوره الأساسي هو تحويل استئناف النفط من قرار سياسي إلى عملية عامة قابلة للتتبع والمساءلة، دون أن يحل محل مؤسسات الدولة أو يتدخل في الإدارة الفنية والتجارية للقطاع.

ويمكن أن يتركز هذا الدور في عدد من المسارات العملية:

أولًا، المطالبة بالإفصاح المنتظم عن حجم الإنتاج من كل قطاع، والكميات المخصصة للاستهلاك المحلي، والكميات المصدرة، والمخزون، وأسعار البيع، وأسماء المشترين، وتكاليف النقل والتأمين، وحصص الشركات، وصافي المبالغ الموردة إلى البنك المركزي.

ثانيًا، إنشاء مرصد مدني مستقل لعائدات النفط والطاقة، يصدر تقارير شهرية مبسطة تقارن بين الكميات المعلنة والإيرادات المحصلة والمبالغ المخصصة للرواتب والخدمات، بالاستناد إلى البيانات الرسمية ومعلومات الشركات ومؤسسات الرقابة.

ثالثًا، الضغط من أجل إدراج الإيرادات النفطية ضمن موازنة عامة أو موازنة تكميلية منشورة، بدلًا من توزيعها بقرارات إدارية غير معلنة. وينبغي أن تتضمن الموازنة قواعد واضحة لأولويات الإنفاق وحصص المحافظات المنتجة وتمويل الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية والاستثمار في الطاقة المستدامة.

رابعًا، الدعوة إلى إعادة تفعيل مجلس وطني متعدد الأطراف يضم الحكومة والشركات والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية، تمهيدًا لعودة اليمن إلى مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية عندما تسمح الظروف، مع اعتماد متطلبات المبادرة معيارًا وطنيًا مؤقتًا منذ الآن.

خامسًا، مراقبة عقود البيع والخدمات النفطية والمشتريات المرتبطة بحماية المنشآت وصيانتها، والمطالبة بنشر المستفيدين الحقيقيين من الشركات المتعاقدة، وتطبيق قواعد تضارب المصالح ومنع احتكار العقود أو منحها لجهات مرتبطة بمسؤولين أو أطراف نافذة.

إن الفرصة المتاحة اليوم ليست مجرد فرصة لاستئناف تصدير النفط، بل لإعادة تأسيس علاقة مختلفة بين الدولة والمواطن حول ملكية الموارد العامة.

سادسًا، ضمان مشاركة المجتمعات المحلية في حضرموت وشبوة ومأرب وغيرها من المناطق المنتجة، ومعالجة الآثار البيئية والاجتماعية لعمليات الإنتاج والنقل. فالعدالة لا تتحقق بمجرد تخصيص نسبة مالية للمحافظة، بل تتطلب نشر كيفية احتساب هذه النسبة، وأوجه إنفاقها، وإنشاء آليات شكاوى مستقلة للسكان المتأثرين.

وأخيرًا، يحتاج المجتمع المدني نفسه إلى الالتزام بالاستقلالية والمهنية والتحقق من البيانات، وتجنب تحويل الرقابة على النفط إلى أداة للاستقطاب السياسي. كما يجب توفير الحماية للصحفيين والباحثين والمبلغين عن المخالفات؛ لأن الشفافية تفقد معناها إذا كان الوصول إلى المعلومات أو نشرها يعرض صاحبه للتهديد.

من استئناف التصدير إلى استعادة الثقة

إنّ عودة النفط إلى التصدير يمكن أن تكون خطوة مهمة نحو تخفيف الأزمة الاقتصادية، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مصدر جديد للتنافس والانقسام إذا تدفقت الإيراداتُ بدون قواعد واضحة لإدارتها. وفي البلدان المتأثرة بالنزاعات، لا تؤدي الموارد الطبيعية تلقائياً إلى التعافي؛ فقد تمول السلام والخدمات عندما تُدار بشفافية، وقد تغذي الصراع واقتصاد النفوذ عندما تدار بعيداً عن المؤسسات والرقابة.

المعيار الحقيقي لنجاح القرار لن يكون بعدد البراميل التي غادرت المواني، بل بمقدار ما وصل من قيمتها إلى الخزانة العامة، وكيف أُنفق، ومن راجع الحسابات، وما الذي تغير فعليًا في رواتب الموظفين والكهرباء والمياه والخدمات.

إن الفرصة المتاحة اليوم ليست مجرد فرصة لاستئناف تصدير النفط، بل لإعادة تأسيس عَلاقة مختلفة بين الدولة والمواطن حول ملكية الموارد العامة. وهذه العَلاقة لا تُبنى بالوعود، وإنما بالبيانات المفتوحة، والموازنة المنشورة، والتدقيق المستقل، والمشاركة المجتمعية، والمساءلة دون استثناء.


المصادر والمراجع

التقارير والمصادر المؤسسية

  1. صندوق النقد الدولي. (9 أكتوبر 2025). اليمن: البيان الختامي لبعثة مشاورات المادة الرابعة لعام 2025.
    https://www.imf.org/en/news/articles/2025/10/09/imf-cs-yemen-2025-imf-article-iv-mission
  2. البنك الدولي. (21 مايو 2026). تفاقم الضغوط الاقتصادية في اليمن مع تصاعد المخاطر الإقليمية.
    https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2026/05/21/economic-strain-deepens-in-yemen-as-regional-risks-intensify
  3. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (26 يناير 2025). إنارة طريق التعافي من خلال الطاقة المتجددة في اليمن.
    https://www.undp.org/yemen/news/lighting-path-recovery-renewable-energy-yemen
  4. صندوق النقد الدولي. (16 يوليو 2026). توصل خبراء صندوق النقد الدولي والسلطات اليمنية إلى اتفاق بشأن برنامج جديد يخضع لمراقبة الصندوق.
    https://www.imf.org/en/news/articles/2026/07/16/pr26249-yemen-imf-reaches-sla-on-new-staff-monitored-program
  5. الشراكة الدولية للموازنة. (2023). نتائج اليمن في مسح الموازنة المفتوحة لعام 2023.
    https://internationalbudget.org/open-budget-survey/country-results/2023/yemen
  6. مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية. صفحة اليمن: وضع العضوية وبيانات تنفيذ المبادرة.
    https://eiti.org/countries/yemen

المصادر الصحفية

  1. وكالة الأناضول. (22 يوليو 2026، محدّث في 23 يوليو 2026). اليمن يستأنف تصدير النفط بعد توقف دام أربع سنوات.. ماذا تغير؟
    https://www.aa.com.tr/ar/اليمن/اليمن-يستأنف-تصدير-النفط-بعد-توقف-دام-4-سنوات-ماذا-تغير-تقرير/4006261
  2. الجزيرة نت. (23 يوليو 2026). استئناف تصدير النفط.. هل يستعيد اليمن شريان اقتصاده؟
    https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/7/23/النفط-اليمني-بين-استئناف-التصدير

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى