أثار مقترح تعديل التعرفة الكهربائية، وما تبعه من تأكيد رسمي بعدم المساس بالاستهلاك المنزلي حتى ألف كيلووات/ساعة، نقاشاً يتجاوز قيمة الفاتورة إلى حوكمة الإصلاح نفسه: كيف يمكن تحقيق الاستدامة المالية مع تحسين الخدمة وحماية قدرة المواطنين على السداد؟
اليمن – عدن
ليست المشكلة في الاعتراف بأن قطاع الكهرباء يحتاج إلى إصلاح؛ فالعجز المالي، وارتفاع كلفة التوليد، وضعف التحصيل، وتقادم الشبكات، كلها اختلالات لا يمكن تجاهلها. المشكلة تبدأ عندما يُختزل الإصلاح في تحريك التعرفة، مع أن أزمة الكهرباء أوسع من سعر الكيلووات، وترتبط بكفاءة الإدارة، وعدالة توزيع الدعم، والقدرة على السداد، ووضوح العلاقة بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه من خدمة.
ولا يكفي أن يكون القرار مبرراً مالياً؛ بل يجب أن يكون شفافاً، وقابلاً للمساءلة، ومراعياً للآثار الاجتماعية والاقتصادية. فالتعرفة ليست مجرد أرقام في فاتورة، وإنما أداة تحدد كيفية توزيع كلفة أزمة الكهرباء بين الدولة والمؤسسة والمستهلكين والقطاعات الاقتصادية.
إصلاح ضروري… لكن التعرفة ليست الحل الوحيد
أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة في 22 يوليو 2026 إقرار مقترح لتعديل تعرفة القطاعين التجاري والصناعي، ومراجعة تعرفة الخطوط الساخنة، وإعادة تنظيم الاستهلاك المنزلي المرتفع، ثم أوضحت في بيان لاحق أن الاستهلاك المنزلي حتى 1000 كيلووات/ساعة سيظل وفق التعرفة السابقة، وأن التعديل سيقتصر على الكمية التي تتجاوز هذا السقف.
وهذا المقترح لم يصبح بعد تعرفة نافذة؛ فوفق المادة (25) من قانون الكهرباء رقم (1) لسنة 2009، تصدر التعرفة بقرار من رئيس مجلس الوزراء بعد موافقة مجلس الوزراء، ويحدد القرار تاريخ بدء سريانها، ثم يُنشر وفق الإجراءات القانونية. أما ما جرى في اجتماع الوزارة فهو إقرار للمقترح تمهيداً لرفعه واستكمال اعتماده.
ولا يمكن إنكار الحاجة المالية إلى المراجعة. فقد أشار صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر في أبريل 2026 إلى أن قطاع الكهرباء في اليمن يسترد أقل بكثير من 10 في المائة من تكلفته، وأن دعم الكهرباء خلال 2022-2024 زاد إلى أكثر من ثلاثة أمثال مستواه في 2021، في حين لم يرتفع الإنتاج إلا بنحو 25 في المائة. وأوصى التقرير برفع التعرفة تدريجياً، بالتوازي مع تحسين الكفاءة وتوفير الحماية الاجتماعية للفئات الهشة.
توضح هذه الأرقام أن بقاء الوضع كما هو ليس مستداماً، لكنها توضح أيضاً أن المشكلة لا تُحل برفع التعرفة وحده؛ فإذا تضاعف الدعم ولم يتحسن الإنتاج بالمعدل نفسه، فإن السؤال يجب أن يشمل كفاءة الإنفاق والتوليد والإدارة، لا قيمة الفاتورة فقط.
المطلوب مسار متزامن يجمع بين مراجعة تدريجية للتعرفة، وتحسين التحصيل، ومحاسبة جميع الفئات، وخفض كلفة التوليد.
أين تضيع الكهرباء والإيرادات؟
تتحدث الوزارة عن معالجة الفاقد والقراءات الصفرية والربط العشوائي، وهي قضايا أساسية في أي إصلاح حقيقي. غير أنَّ من المهم التمييز بين ثلاثة أنواع من الاختلال: كهرباء تضيع داخل الشبكة بسبب تهالك الخطوط والمحولات، وكهرباء تُستهلك ولا تُسجل أو تُفوتر بسبب الربط غير القانوني والعبث بالعدادات، وفواتير تصدر لكن قيمتها لا تُحصّل.
وتشير دراسة لمركز النمو الدولي، استندت إلى بيانات المؤسسة العامة للكهرباء، إلى أن ما يقارب نصف الكهرباء كان يُفقد فنياً أو تجارياً في 2020. وفي المحافظات الخاضعة للحكومة لم يُحصّل سوى 52 في المائة من قيمة الفواتير، بينما لم تسدد الجهات الحكومية سوى 12 في المائة من فواتيرها.
صحيح أن هذه الأرقام قديمة نسبياً ولا تمثل بالضرورة الوضع الحالي، لكن عدم توفر مؤشرات أحدث ومنشورة يمثل في حد ذاته فجوة في الحوكمة. فلا يمكن تقييم عدالة التعرفة أو كفاءة الإصلاح من دون معرفة نسبة الفاقد الحالية، وحجم المتأخرات، ومعدلات التحصيل من كل فئة، والكلفة الفعلية لإنتاج وشراء وتوزيع الكهرباء.
ومن غير العادل أن يتحمل المشترك الملتزم زيادة الكلفة، في حين تبقى الكهرباء المسروقة، والعدادات المتوقفة، والمتأخرات الحكومية، وضعف الشبكة خارج المعالجة الجادة. كما أنه من غير الواقعي الاعتقاد بأن معالجة الفاقد وحدها ستغلق فجوة مالية كبيرة. المطلوب مسار متزامن يجمع بين مراجعة تدريجية للتعرفة، وتحسين التحصيل، ومحاسبة جميع الفئات، وخفض كلفة التوليد.
الحماية لا تُقاس بسقف الألف كيلووات فقط
يمثل إبقاء التعرفة المنزلية حتى 1000 كيلووات/ساعة دون تغيير خطوة مهمة لحماية الاستهلاك الأساسي. والمقصود بالشريحة هنا هو نطاق محدد من الاستهلاك يُحاسب بسعر معين، على أن تخضع الكمية التي تتجاوز السقف ــ بحسب توضيح الوزارة ــ للسعر الجديد.
وتشير بيانات 2020 إلى أن متوسط استهلاك المشترك المنزلي في عدن كان قرابة 302 كيلووات/ساعة شهرياً، ما يجعل سقف الألف كيلووات أعلى من المتوسط بأكثر من ثلاثة أمثال. وهذا يدعم، من حيث المبدأ، توجيه الزيادة نحو الاستهلاك المرتفع. لكنه لا يغني عن نشر بيانات حديثة تبين عدد المشتركين في كل شريحة، ومدى تغير الاستهلاك خلال الصيف، ووجود أكثر من أسرة خلف عداد واحد.
والأهم أن البقاء دون سقف الألف لا يعني بالضرورة القدرة على السداد. فالأزمة الاقتصادية أضعفت دخول الأسر، وأفقدت المرتبات جزءاً كبيراً من قيمتها، بينما يعاني كثير من الموظفين من انخفاض الأجور أو تأخرها وعدم انتظامها.
ووفق البنك الدولي، ارتفعت كلفة الحد الأدنى للسلة الغذائية في مناطق الحكومة بنسبة 26 في المائة بحلول منتصف 2025، وتشير التقديرات إلى أن قرابة ثلاثة أرباع السكان يعيشون تحت خط الفقر النقدي. وفي ظل هذه الأوضاع، قد يكون عدم سداد الفاتورة ناتجاً عن عجز حقيقي، لا عن التهرب أو غياب الالتزام.
وهنا يبرز أحد أصعب تحديات الإصلاح: كيف يمكن رفع الإيرادات من مجتمع تتراجع قدرته على الدفع؟ فزيادة قيمة الفواتير من دون معالجة الأوضاع المعيشية قد تؤدي إلى تراكم المتأخرات وانخفاض التحصيل، بدلاً من تحقيق الاستدامة المالية المتوقعة.
ينبغي ربط دعم الكهرباء ببرامج حماية اجتماعية ممولة بوضوح، بدلاً من ترك المؤسسة تتحمل دعماً غير مستهدف وغير ظاهر في حساباتها.
حين يصبح قطع الكهرباء خطراً على الحياة
تتجاوز حساسية المسألة الجانب المالي في المناطق شديدة الحرارة مثل عدن والمكلا وأجزاء واسعة من حضرموت. ففي هذه المناطق ترتبط الكهرباء بالتبريد، وضخ المياه، وحفظ الغذاء والدواء، وحماية الأطفال وكبار السن والمرضى من الإجهاد الحراري.
ويشير تقرير البنك الدولي حول المناخ والتنمية إلى أن نحو 16.7 مليون يمني معرضون لواحد على الأقل من مخاطر الحرارة الشديدة أو الجفاف أو الفيضانات. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الإجهاد الحراري قد يؤدي إلى الوفاة ويفاقم أمراض القلب والسكري والربو، وأن الفقراء والأطفال وكبار السن والمرضى أكثر تعرضاً لمخاطره.
لذلك، لا يمكن التعامل مع قطع التيار باعتباره أداة تحصيل عادية في جميع الحالات والفصول. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إعفاء جميع المتأخرين أو منع الفصل بصورة مطلقة؛ لأن ذلك سيضعف التحصيل ويعمق عجز المؤسسة.
وتقتضي المعالجة العادلة التمييز بين القادر الممتنع عن السداد والأسرة العاجزة فعلياً، مع توفير خيارات مثل تقسيط المتأخرات، ومنح مهلة قبل الفصل، وتعليق قطع الخدمة عن الفئات الهشة خلال موجات الحر، وعدم الفصل أثناء نظر اعتراض جدي على فاتورة أو قراءة غير صحيحة. كما ينبغي ربط دعم الكهرباء ببرامج حماية اجتماعية ممولة بوضوح، بدلاً من ترك المؤسسة تتحمل دعماً غير مستهدف وغير ظاهر في حساباتها.
الاستدامة لا تعني فقط أن يدفع المستهلك أكثر؛ بل أن تنتج المؤسسة الكهرباء وتشتريها وتوزعها بأقل كلفة ممكنة وبأعلى قدر من الشفافية.
المطلوب عقد واضح بين المؤسسة والمستهلك
لا يقتصر الدور المطلوب من المجتمع المدني على رفض الزيادة أو تأييدها، بل يتمثل في ضمان أن يقوم الإصلاح على المشاركة والشفافية والمساءلة. ومن حق المواطنين معرفة الكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء، وأسس تحديد الشرائح، وعدد المشتركين المتأثرين، وحجم الدعم، ونسب الفاقد والتحصيل، وكيف ستُستخدم الإيرادات الإضافية.
كما ينبغي أن يرتبط تعديل التعرفة بمؤشرات أداء معلنة: خفض الفاقد، وزيادة التحصيل من الجهات الحكومية، وتقليص القراءات الصفرية، وتحسين ساعات التشغيل واستقرار التيار، ومعالجة شكاوى المشتركين. فليس من المنصف مطالبة المواطن بالتزام مالي جديد من دون التزام مؤسسي يمكن قياسه ومراجعته.
وهذا يتوافق مع قانون الكهرباء نفسه، الذي يوجب عند وضع التعرفة مراعاة الشفافية والعدالة، وتكاليف التشغيل والصيانة، والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. أي أن الحماية الاجتماعية والشفافية ليستا مطلبين خارجيين عن الإصلاح، بل جزء من الأساس القانوني للتعرفة.
خفض الكلفة جزء من الإصلاح
لا ينبغي أن يتركز الإصلاح على جانب الإيرادات وحده. فقد دخلت محطة عدن للطاقة الشمسية 120 ميجاوات الخدمة في 2024، وأعلنت الوزارة أن المرحلة الثانية ستضيف 120 ميجاوات أخرى لترتفع القدرة الإجمالية إلى 240 ميجاوات عند اكتمالها. وتمثل هذه المشاريع فرصة لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد والمنح الخارجية، لكنها تحتاج إلى شبكات قادرة على استيعاب الطاقة وإدارتها بكفاءة.
ومن منظور حوكمة الطاقة، يجب أن تسير مراجعة التعرفة بالتوازي مع التحول نحو مصادر أقل كلفة، ورفع كفاءة المحطات، وتأهيل شبكات النقل والتوزيع، وتحسين إجراءات شراء الوقود والطاقة. فالاستدامة لا تعني فقط أن يدفع المستهلك أكثر؛ بل أن تنتج المؤسسة الكهرباء وتشتريها وتوزعها بأقل كلفة ممكنة وبأعلى قدر من الشفافية.
الاستدامة الحقيقية تحتاج إلى تعرفة تستطيع المؤسسة الاعتماد عليها، ويستطيع المواطن تحملها، وخدمة تستحق ما يُدفع مقابلها.
إصلاح عادل وقابل للاستمرار
لا ينبغي للمجتمع المدني أن يتعامل مع إصلاح التعرفة باعتباره شراً مطلقاً، كما لا ينبغي قبول أي زيادة لمجرد وصفها بأنها جزء من الإصلاحات المطلوبة دولياً. الموقف المسؤول هو دعم إصلاح يحمي الاستهلاك الأساسي، ويعالج الفاقد والمتأخرات، ويراعي القدرة على السداد، ويربط الإيرادات بتحسن الخدمة.
إن نجاح التعرفة الجديدة لن يُقاس فقط بما تضيفه إلى إيرادات المؤسسة، بل بقدرتها على بناء ثقة جديدة بين المواطن وقطاع الكهرباء. فالاستدامة الحقيقية تحتاج إلى تعرفة تستطيع المؤسسة الاعتماد عليها، ويستطيع المواطن تحملها، وخدمة تستحق ما يُدفع مقابلها.
المصادر والمراجع
وزارة الكهرباء والطاقة (2009). قانون رقم (1) لسنة 2009 بشأن الكهرباء.
وزارة الكهرباء والطاقة (22 يوليو 2026). وزير الكهرباء يترأس اجتماعاً لإقرار تعديل التعرفة الكهربائية وتعزيز كفاءة الإيرادات والتحصيل.
صندوق النقد الدولي (2026). الجمهورية اليمنية: مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 – البيان الصحفي وتقرير خبراء الصندوق.
مركز النمو الدولي (2021). تحسين خدمات الكهرباء في اليمن.
البنك الدولي (2026). المرصد الاقتصادي لليمن: مواجهة التيار المعاكس.
البنك الدولي (2024). تقرير المناخ والتنمية الخاص باليمن.
منظمة الصحة العالمية (13 يوليو 2026). الحرارة والصحة.
وزارة الكهرباء والطاقة (28 أغسطس 2025). تدشين المرحلة الثانية من مشروع محطة الطاقة الشمسية في عدن بدعم إماراتي.



